ابن الجوزي
522
كتاب ذم الهوى
أشمّها من حبها * إذا علاني كمدي فمن رأى مثلي فتى * بالحزن أضحى مرتدي أسقمه الحبّ فقد * صار حليف الأود وصار سهوا دهره * مقارنا للكمد قال : ثم أطرق ، فقلت : الساعة واللّه يموت ! . قال : علي بن عاصم : وورد عليّ من أمره ما لم أتمالك ، وقمت أجرّ ردائي ، فو اللّه ما بلغت الباب حتى سمعت الصراخ . فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : مات واللّه . قال علي : فقلت : واللّه لا أبرح حتى أشهده . قال : وتسامع الناس فجاؤوا بطبيب ، فقال : خذوا في أمر صاحبكم فقد مضى لسبيله . فغسلوه وكفنوه ودفنوه ، وانصرف الناس ، فقال لي صاحبي : امض بنا ، فقلت : امض أنت فإني أريد الجلوس هاهنا ساعة ، فمضى ، فما زلت أبكي وأعتبر به ، وأذكر أهل محبة اللّه عز وجل وما هم فيه . قال : فبينا أنا على ذلك ، إذا أنا بجارية قد أقبلت كأنها مهاة « 1 » ، وهي تكثر الالتفات ، فقالت لي : يا هذا أين دفن هذا الفتى ؟ قال علي : فرأيت وجها ما رأيت قبله مثله ، فأومأت إلى قبره . قال : فذهبت إليه ، فو اللّه ما تركت على الأرض كثير تراب إلا ألقته على وجهها ، وجعلت تتمرّغ فيه حتى ظننت أنها ستموت ، فما كان أسرع من أن طلع القوم يسعون حتى جاؤوا إليها وأخذوها فجعلوا يضربونها ، فقمت إليهم فقلت : رفقا بها رحمكم اللّه ، قالت : دعهم أيها الرجل يبلغوا همتهم ، فو اللّه لا انتفعوا بي أبدا بعده أيام حياتي ، فليصنعوا بي ما شاؤوا . فإذا هي التي كان يحبها الفتى ، فانصرفت .
--> ( 1 ) المهاة : البقرة الوحشية .